فصل: ذكر قريش وما خصها الله به من الفضل والمنة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنمق في أخبار قريش **


بسم الله الرحمن الرحيم

 ذكر قريش وما خصها الله به من الفضل والمنة

أخبرنا أبو الحسن محمد بن العباس الحنبلي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن حبيب قال‏:‏ أول ما ذكر من أحاديث قريش ما خصها الله به من الفضل والمن به على سائر الخلق وأنه بعث منها نبي الرحمة وأنزل عليه القرآن بلسانها قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ‏"‏ فلغة قريش أفصح اللغات ونسبها أصح الأنساب ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما ‏"‏ وقوله الحق وذلك أن الناس من لدن آدم إلى نوح عليهما السلام انقرضوا فكان النسل بعد لنوح وافترقت بنو نوح فرقاً شتى وفضل الله سام بن نوح على إخوته وجعل العرب من ولده والأنبياء اجمعين إلا إدريس ثم افترقت بنو سام فرقاً ففضل الله أرفخشذ بن سام على إخوته لما جعل في نسله من الأنبياء فمنهم خليل الله والذبيح ونجي الله وروح الله وكلمته وحبيب الله صلى الله عليهم أجمعين ثم افترق ولد أرفخشذ فرقا فمنهم قحطان وجرهم وحضرموت ولسلف والموذ وعدنان ففضل الله عدنان على قحطان وإخوته ثم افترق بنو عدنان فرقا ففضل الله نزار بن معد بن عدنان عليهم ثم افترق بنو نزار فرقاً ففضل الله مضر على سائرهم ثم افترق بنو مضر فرقتين‏:‏ إلياس والناس وهو عيلان ففضل الله إلياس على الناس ثم افترق بنو إلياس فرقتين‏:‏ مدركة وطابخة ففضل الله مدركة على طابخة ثم افترق بنو مدركة فرقتين‏:‏ حزيمة وهذيلاً ففضل الله خزيمة على هذيل ثم افترق بنو خزيمة فرقاً أسداً وكنانة والهون ففضل الله كنانة على أخوته ثم افترق بنو كنانة مزقاً ففضل الله النضر على سائرهم ثم افترق بنو النضر فرقتين‏:‏ مالكاً ويخلد ففضل الله مالكاً على يخلد ثم افترق بنو مالك فرقتين‏:‏ فهراً والحرب ففضل الله فهراً على الحرب ثم افترق بنو فهر فرقاً ففضل الله غالباً على سائرهم ثم افترق ولد غالب فرقاً ثلاثاً ففضل الله لؤياً على سائرهم ثم افترق بنو لؤي فرقاً ففضل الله كعباً على إخوتهم ثم افترق بنو كعب ثلاث فرق‏:‏ عدي وهصيص ومرة ففضل الله مرة على أخويه ثم افترق بنو مرو ثلاث فرق‏:‏ كلاب وتميم ويقظة ففضل الله كلاباً على أخويه ثم افترق بنو كلاب فرقتين‏:‏ قصياً وزهرة ففضل الله قصياً على زهرة ثم افترق بنو قصي أربع فرق‏.‏

عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبد بني قصي ففضل الله عبد مناف على سائرهم ثم افترق بنو عبد مناف أربع فرق‏:‏ هاشم وعبد شمس والمطلب ونوفل ففضل الله هاشماً على إخوته ثم افترق بنو هاشم فرقاً فدرجوا كلهم وانقرضوا والبقية منهم لعبد المطلب بن هاشم فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وله أربعة أعمام‏:‏ حمزة والعباس وأبو طالب وأبو لهب فاتبعه اثنان وخالفه اثنان ففضل الله فرقة - التي تبعته على التي خالفته - وقال الكلبي في أسانيده‏:‏ فضل الله العرب على العجم لأنهم كانوا لا ينكحون البنات ولا الأخوات وفضل الله مضر بن نزار على سائر العرب لأنهم كانوا أعلمهم بسنة إبراهيم صلى الله عليه وعلى محمد وآله وألزمهم يغير بعضهم على بعض وفضل الله بني هاشم على قريش لأنهم كانوا أوصلهم للأرحام وأكفهم عن الآثام وفضل الله بني عبد المطلب على سائر بني هاشم بولادة محمد صلى الله عليه وعلى آله وفضل الله محمداً صلى الله عليه على سائر بني عبد المطلب لأنه كان خيرهم وأبرهم وأصدقهم وأوصلهم صلى الله عليه وآله وسلم وقال محمد بن سلام الجمحي في أسانيده‏:‏ إن النبي صلى الله عليه قال‏:‏ ‏"‏ إن الله عز وجل اختار من الناس العرب ثم اختار من العرب مضر ثم اختار من مضر كنانة ثم اختار من كنانة قريشاً ثم اختار من قريش بني هاشم ثم اختارني ممن أنا منه ‏"‏‏.‏

وقال محمد بن سلام الجحمي في حديث آخر‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ اتاني جبريل عليه السلام فقال‏:‏ لقد بلغت الأرض شرقها وغربها وشمالها ويمينها فما وجدت خيراً من قريش لا وجدت في قريش خيراً من هاشم ‏"‏‏.‏

وأخبرني هاشم بن محمد الكلبي قال‏:‏ حدثني أبو زفر الكلبي عن عمه عمارة بن جرير عن أثال بن حضرمي الأسدي قال‏:‏ سمعت أشياخنا يذكرون أن برة بنت مر لما أهديت إلى خزيمة بن مدركة رأت في المنام كأنها ولدت غلامين من خلاف بينهما سابياء قالت‏:‏ فينا أنا أنظر إليهما إذ أحدهما قمر يزهر والآخر أسد يزئر‏!‏ فأخبرت بذلك خزيمة فأتى كاهنة كانت بمكة يقال لها سرحة فقص عليها الرؤيا فقالت‏:‏ إن صدقت رؤياها فتلدن منك غلاماً يكون منه قوم لهم أنفس باسلة وألسنة سائلة ثم تخلف عليها بعض ولدك فتلد منه غلاماً يكون لولده عدد وعدد وقروم مجد وعز إلى آخر الأبد فولدت له أسد بن خزيمة ثم خلف عليها كنانة فولدت له النضر‏.‏

قال‏:‏ وأتي كنانة وهو نائم في الحجر فقيل له‏:‏ اختر يا أبا النضر بين الصهيل والهدر أو عمارة الجدر وعز الدهر‏!‏ فقال‏:‏ كلا يا رب‏!‏ فجعل الله ذلك كله في قريش‏.‏

وروى جماعة من غير طريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن الله اصطفى من العرب كنانة فكنانة عزة العرب ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أريت جو بني كنانة فكنانة فيها سراج أعشاها فأولت أن قريشاً ذلك السراج ‏"‏ وأخبرني هشام بن محمد عن عبد الحميد المجد بن عبس الأنصاري عن بعض قومه عن الشعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أريت الجدود فرأيت جد قريش روضة خضراء منها الماء فأولت ذلك كثرة الأموال والتدفق بالنوال‏.‏

ولما قدم صعصة بن ناجية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافداً مسلماً سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علمه بمضر فقال‏:‏ كنانة وجهها الذي فيه سمعها وبصرها وتميم كاهلها وقيس أظفارها‏.‏

قالوا‏:‏ وسأل معاوية بن أبي سفيان ليلى الأخيلية عن مضر فقالت‏:‏ فاخر بكنانة وحارب بقيس وكاثر بتميم‏.‏

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏قريش ملح هذه الأمة كالملح في الطعام‏!‏ فهل يصلح الطعام إلا بالملح‏)‏‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏(‏اللهم‏!‏ إنك جعلت هذا الإسلام الذي جئت به رحمة للعالمين وذكراً لقريش فتوكل لي بقريش‏)‏‏.‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الناس تبع لقريش مؤمنهم لمؤمنهم وفاجرهم لفاجرهم‏.‏

وروي عنه أيضاً أنه قال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ قريش صلب الناس‏!‏ فلا يبقى أحد بغير صلب ‏"‏‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ ‏"‏ قريش أئمة العرب في الخير والشر إلى يوم القيامة ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تقدموا قريشاً فتضلوا‏!‏ ولا تخلفوا هنها فتهلكوا‏!‏ ولا تعلموها فهي أعلم منكم ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الست أولى بكم من أنفسكم قالوا‏:‏ بلى بآبائنا أنت وأمهاتنا‏!‏ قال‏:‏ فإني كائن لكم يوم القيامة عل الحوض فرطاً وإني سائلكم عن القرآن وعن قومي‏!‏ فلا تقدموا قريشاً فتضلوا‏!‏ ولا تخلفوا عنها فتهلكوا‏!‏ ولا تعلموا قريشاً فهم أعلم منكم‏.‏

ولولا أن تبطر قريش علمتها ما لها عند الله ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وقدمت أمامة بنت يزيد بن عمرو بن الصعق على معاوية فقال لها‏:‏ جبريني عن هذا الحي من مضر‏!‏ فقالت‏:‏ أما ناصية مضر فهذان الحيان من ابن خزيمة وأما أظفارها التي بها تحارش فهذا الحي من قيس فقال معاوية‏:‏ فأين بنو تميم قالت‏:‏ تلك الكاهل المحمول عليها والكرش المأكول فيها‏.‏

قال‏:‏ فحدثيني عن قيس مضر‏!‏ قالت‏:‏ أما جمجمة قيس فغطفان وأما أضراسها التي تأكل بها فبنو سليم وأما خيشومها الذي تنفس فيه فبنو عامر‏.‏

وقالت ليلى الأخيلية لمعاوية وسألها عن مضر فقالت‏:‏ قريش قادتها وسادتها وتميم كاهلها وكرشها وقيس فرسانها وخطاطيفها‏.‏

وقال صعصة بن ناجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يا رسول الله‏!‏ أنا أبصر الناس بمضر‏!‏ تميم هامتها وكاهلها الشديد الذي تنوء به وتحمل عليه وكنانة وجهها الذي فيه سمعها وبصرها وقيس فرسانها ولجومها وأسد لسانها فقال النبي فيكم كتاب الله وعترتي‏!‏ لن تضلوا ما تمسكتم بهما ‏"‏‏.‏

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إن يغلب الله لي قريشاً أغلب سائر العرب ‏"‏‏.‏

قالوا‏:‏ ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزاة بدر منصرفاً إلى المدينة تلقاه الأوس والخزرج يهنئونه بفتح الله عليه فقال سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري‏:‏ يماذا تهنئونا فوالله‏!‏ إن قتلنا إلا عجائز صلعاً كالإبل المعلفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وسمعه أولئك الملأ من قريش‏:‏ أما‏!‏ لو قد أسلموا ثم رأيتهم لهبتهم ولو أمروك لأطعتهم ثم لحقرت أفعالك مع فعالهم ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ فلقد رأيتني في المدينة وإني لألقي الرجل منهم في الطريق فأتنحى عن طريقه هيبة له حتى يمر ثم أقول‏:‏ صدق الله ورسوله فبقريش فضل الله العرب على سائر الأمم وخولهم إياهم وأورثهم ديارهم وأموالهم ومكن لهم في الأرض وقريش أوسط العرب بيتاً وأطولها عماداً وأثبتها أوتاداً وأوشجها أصلاً وأنضرها عوداً وأبسقها فرعاً وكانوا في الجاهلية قبل أن يصل الله لهم ذلك بفضلية النبوة يسمون أهل الله ويسمون سكان الله وأهل الحرمة وقطان بيت الله وقد قال عبد المطلب لأبرهة الأشرم صاحب الفيل حين سأله أن يرد عليه إبله فقال له الأشرم‏:‏ هلا سألتني الإنصراف عن الذي قصدن له من هدم شرفك وهتك حرمتك فجرى بينهما خطاب قد أثبتناه في حديث الفيل في آخر هذا الجزء وقال عبد المطلب‏:‏ الرمل نحن أهل الله في حرمته لم تزل فينا على عهد قدم إن للبيت لرباً مانعاً من يرده بأثام يخترم وقال الله عز وجل‏:‏ ‏"‏ أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ‏"‏‏.‏

فمن مكارمهم في الجاهلية أنهم كانوا على حالة شركهم يترافدون على سقاية الحاج وإطعام أهل الموسم وحمل المنقطع به من الحاج ومعونته على بلاغ منزله فكان القيم بذلك في زمانه هاشم بن عبد مناف فكانت قريش تجمع إليه الفضول من أموالها أيام الحج ويقال‏:‏ إنه كان عليه الربع من ذلك في ماله لما ذكرنا وله يقول مطرود بن كعب الخزاعى‏:‏ الكامل عمرو العلى هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف يا أيها الرجل المحول رحله هلا نزلت بآل عبد مناف هبلتك أمك لو نزلت عليهم ضمنوك من جوع ومن إقراف ثم قام به بعده ابنه عبد المطلب فزاد في سنة أبيه وأضعف في مكارم قريش فكان إذا كان أيام الحج أعد للحجاج الطعام ووضع الأعلاف للوحوش وكان يسمى مطعم الناس في السهل والوحوش والسباع في الجبل ‏"‏‏.‏

ومن مكارم قريش أن بيت الله كان في أيديهم ومفاتيحه كانت إليهم لا يفتحه أحد من أهل الشرق والغرب غيرهم فهذه مكارم فضلوا بها العرب والعجم وقال الله تعالى يذكر عن قول إبراهيم‏:‏ ‏"‏ ربنا إني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم ‏"‏ فمكثوا في الجاهلية كذلك مع مكارم كثيرة هذه من مشهوراتها حتى وصل الله تبارك وتعالى لهم ذلك بالإسلام والنبوة والخلافة وكافت قريش في الجاهلية أصرافاً متفرقين في كنانة فجمعهم قصى بن كلاب من كل أوب بمكة فسموا قريشاً‏.‏

والتقرش التجمع وفي ذلك يقول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب‏:‏ الخفيف ولنا نشرها وطيب ثراها وبنا سميت قريش قريشا وفيهم يقول حذاقة العدوي‏:‏ الطويل وذكر هشام بن محمد عن بشر الكلبي عن أبيه اقل‏:‏ كان يقال لقريش قبل قصي بن كلاب‏:‏ بنو النضر وكانوا متفرقين في ظهر مكة لم يكن بالأبطح أحد منهم فلما أدرك قصي بن كلاب واجتمعت عليه خزاعة وبنو بكر بن عبد مناة بن كنانة وصوفة فمنهم الغوث بن مر بعث إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة وأم قصي فاطمة بنت سعد بن سيل وهو خير بن حمالة بن عوف بن غنم - بن عامر - وهو الجادر أول من بنى جدار الكعبة ابن عمرو بن جعثمة بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن معد بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد ولسعد بن سيل يقول هون بن أبي عمرو العذري‏:‏ الرمل ما أرى في الناس شخصاً واحداً كلهم مثلك سعد بن سيل فارس أضبط فيه هوج فإذا ما لقي البأس نزل فارس يستدرج الخيل كما استدرج الحر القطامى الحجل وكان جعثمة خرج أيام خرجت الأزد من مأرب فنزل في بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحالفهم وزوجهم وزوجوه وكانت فاطمة أم قصي عند كلاب بن مرة فولدت له زهرة ثم مكث دهراً حتى شيخ وذهب بصره‏.‏

ثم ولدت له قصياً قال هشام سمي قصياً لأن أمه تقصت به إلى الشام وقدم ربيعة بن حرام العذري حاجاً فتزوجها فحملت قصياً غلاماً معها إلى الشام فولدت لربيعة رزاحاً وحنا فجرى بين قصي وبين غلام من عذرة كلام فنفاه العذري وقال‏:‏ والله ما أنت منا‏!‏ فأتى أمه فقال لها‏:‏ من أبي فقالت‏:‏ ربيعة أبوك فقال‏:‏ لو كنت ابنه ما نفيت قالت‏:‏ فأبوك والله خير منه وأكرم وأبوك كلاب بن مرة من أهل الحرم قال فوالله لا أقيم ههنا أبدا‏!‏ قالت‏:‏ فأقم حتى يأتي أبان الحج‏!‏ فلما حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة وزهرة حي فأتاه وكان زهرة أشعر وقصي أشعر فقال له قصي‏:‏ أنا أخوك فقال زهرة‏:‏ ادن مني‏!‏ فلمسه وقال‏:‏ أعرف والله الصوت والشبه‏!‏ ثم إن زهرة مات وأدرك قصي فأراد أن يجمع قومه بني النضر ببطن مكة فاجتمعت عليه خزاعة وبكر وصوفة فكثروه فبعث إلى أخيه رزاح فأقبل في جمع من الشام وأفناء قضاعة حتى أتى مكة وكانت صوفة هم يدفعون بالناس فقام رزاح على الثنية ثم قال‏:‏ أجز قصي‏!‏ فأجاز بالناس فلم تزل الإفاضة في بني قصي إلى اليوم ثم أدخل بطون قريش كلها الأبطح إلا محارب بن فهر والحارث بن فهر وتيم الأدرم بن غالب ومعيص بن عامر بن لؤي فهؤلاء يدعون الظواهر فأقاموا بظهر مكة‏.‏

إلا أن رهطاً من بني الحارث بن فهر وهم رهط أبي عبيدة بن الجراح نزلوا الأبطح فهم مع المطيبين وكان أول مال أصابه قصي بن كلاب أنه كان رجل من عظماء الحبشة أقبل إلى مكة بتجارة فباعها ثم انصرف يريد أهله فتبعه قصي وقتله وأخذ ماله فتزوج حبى بنت حليل بن حبشية فولدت له أربعة نفر‏:‏ عبد الدار وعبد العزى وعبد مناف وعبد بني قصي وكان قصي يقول‏:‏ ولد لي أربعة نفر فسميت اثنين بآلهي وواحداً بداري وواحداً بنفسي وكان قصي شريف أهل مكة لا ينازعه أحد في الشرف فابتنى دار الندوة ففيها كانت تكون أمور قريش فيما ينوبهم وفيما أرادوا من نكاح أو حرب أو مشورة وما عساه ينوبهم حتى إن كانت الجارية لتبلغ أن تدرع فلا يشق درعها إلا فيها تيمنا بها وتعظيماً لها وتشريفاً لأمرها وشأنها قال‏:‏ فلما كبر قصي ورق جعل الحجابة والندوة والسقاية والرفادة واللواء لعبد الدار وكان أكبر ولده وكان ضعيفا مسناً فخصه بذلك ليلحقه بإخوانه وكانت الرفادة خراجاً تخرجه قريش من أموالها لضيافة الحاج فلما هلك قصي أقام عبد مناف على أمر قصي وقام بأمر قريش فأسندت إليه قريش بعد موت أبيه أمورها واختلط بمكة رباعاً واتخذ أموالاً بعد الذي كان قصي قطع لقومه فهلك عبد مناف يوم هلك فكان ما سمينا لعبد الدار ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ذلك منهم وقالوا‏:‏ نحن أحق به فأبت عليهم بنو عبد الدار فتفرقت قريش وتباينت عند ذلك وتشتت أمرها وتفرقت كلمتها وكان مع بني عبد مناف بنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة وبنو الحارث بن فهر وكان مع بني عبد الدار بنو سهم بن عمرو وبنو جمح بن عمرو وبنو مخزوم بن يقظة وبنو عدي بن كعب وخرجت بنو عامر بن لؤي من الفريقين جميعاً فبنو عبد مناف وخلفاؤهم يقال لهم‏:‏ المطيبون وبنو عبد الدار وحلفاؤهم يقال لهم‏:‏ الأحلاف فأخرجت عاتكة بنت عبد المطلب جفنة فيها طيب فغمسوا أيديهم فيه فسموا المطيبين ونحر الآخرون جزراً فغمسوا أيديهم في دمها فسموا الأحلاف ولعقة الدم لأن الأسود بن حارثة العدوي لعق من الدم ولعقت معه بنو عدي فلما كادوا يفشلون وعبيت كل قبيلة لقبيلة فعبيت بنو عبد مناف لبني سهم وبنو عبد الدار لبني أسد وبنو مخزوم لبني تيم وبنو جمح لبني زهرة وبنو عدي لبني الحارث بن فهر ثم إنهم مشوا في الصلح على أن تعطى بنو عبد مناف السقاية وبنو أسد الرفادة وتركت الحجابة والندوة واللواء لبني عبد الدار وقد كان المطيبون انطلقوا إلى كاهنة بمكة فقصوا عليها قصتهم وقصة أصحابهم فقالت‏:‏ صنعتم صنع لنساء بغمسكم أيديكم في الطيب وصنعوا صنع الرجال بغمسهم أيديهم في الدم قال أبو المنذر‏:‏ فجرى بين القوم الشر حتى كادوا يقتتلون فصارت الحجابة واللواء لبني عثمان بن عبد الدار وليها يومئذ منهم أبو طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وصارت الندوة إلى عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فلما كان زمن معاوية باع دار الندوة عكرمة بن عامر بن هاشم من معاوية بمائة ألف درهم فهي اليوم للإمارة وإنما سميت الندوة لأن قريشاً كانوا إنها بن عامر بين لؤي حين تدعى وبين عبد مناف ولها في المطيبين جدود ثم نالت ذوائب الأحلاف وذكروا أن أكثم بن صيفي قال‏:‏ دخلت البطحاء مكة فإذا أنا ببني عبد المطلب يخترقونها كأنهم أبرجة الفضة وكأن عمائمهم نوق الرجال ألوية يلحقون الأرض بالحبرات فقال أكثم‏:‏ يا بني تميم‏!‏ إذا أراد الله أن ينشئ دولة أنبت لها مثل هؤلاء هذا غرس الله لا غرس الرجال‏.‏

قال هشام‏:‏ لم يكن في العرب عدة بني عبد المطلب أشرف منهم ولا أجسم ليس منهم رجل إلا أشم العرنين يشرب أنفه قبل شفتيه ويأكل الجذع ويشرب الفرق وقال قرة بن حجل بن عبد المطلب يوم أجنادين‏:‏ الكامل اعدد ضرارا إن عددت فتى الندى والليث حمزة واعدد العباسا واعدد زبيراً والمقوم بعده والصتم حجلا والفتى الدرفاسا وأبا عتيبة فاعددنه ثامنا والقرم عبد منافنا الجساسا والقرم غيداقا تعد جحا جحا سادوا على رغم العدو الناسا والحارث الفياض ولي ماجدا أيام نازعه الهمام الكاسا ما في الأنام عمومة كعمومتي حقاً ولا كأسنا آناسا قال‏:‏ الفرق محركة الراء ستة عشر رطلا والفرق مسكنة الراء مائة وعشرون رطلاً ومنه قالت عائشة رحمها الله‏:‏ ‏"‏ كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة بذلك الإناء ‏"‏ وأشارت إلى ظرف يسع فرقا‏.‏

ولم يسلم من أعيان بني عبد المطلب إلا حمزة والعباس رحمها الله قال والعقب من بني عبد للعباس وأبي طالب والحارث وأبي لهب وقد كان للزبير والمقوم وحجل أولاد لأصلابهم فهلكوا وكان ضرار بن عبد المطلب من فتيان المطلب قريش جمالاً وعقلاً وهيبة وسخاء وإن أمه نتيلة أضلته فكاد عقلها يذهب جزعا عليه وكانت كثيرة المال فجعلت تنشد في المواسم وتقول‏:‏ الرجز أضللته أبيض لوذعياً لم يك مجلودا ولا دعيا وقالت‏:‏ الرجز أضللته أبيض كالخصاف للفتية الغر بني مناف ثم لعمري منتهى الأضياف هذي لفهر سنة الإيلاف فجعلت لمن جاء به هنيدة ونذرت أن تكسو البيت إن رده الله عليها فمر بها حسان بن ثابت حاجاً في نفر من قومه فرأى جزعها عليه فقال‏:‏ الطويل وأم ضرار تنشد الناس والها فيا لبني النجار ماذا أضلت فأتاها به رجل من جذام فوفت له بجعلها وكست البيت ثيابا بيضا وجعلت تقول‏:‏ الرجز الحمد لله ولي الحمد والذي هون من وجدي إذ رد ذو العرش على ولدي من بعد أن جولت في معد اشكره ثم أفي بعهدي فضائل العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال هشام الكلبي أخبرني أبو السائب المخزومي عن أبيه قال‏:‏ كان للعباس بن عبد المطلب ثوب لعاري بني هاشم وجفنة لجائعهم ومقطرة لسفيههم أ - و ربما قال‏:‏ لجاهلهم - وكان يمنع جاره ويبذل ماله ويعطي النابية في قومه وكان نديماً لأبي سفيان بن حرب في الجاهلية فجاور رجل من بني سليم رجلاً من أفناء العرب فلم يحمد جواره فقال في ذلك العباس بن مرداس السلمي‏:‏ البسيط إن كان جارك لم تنفعك ذمته حتى سقيت بكأس الموت أنفاسا فبالفناء فناء الله اعتصم لم يغش ناديه فحشاً ولا بأساً قرما قريش وحلاً في ذؤابتها بالمجد والحزم ما حازا وما ساسا وقال هشام عن أبيه عن أسامة بن زيد عن أبيه عن دحية بن خليفة الكلبي قال‏:‏ ‏"‏ أهديت إلى النبي صلى الله عليه وسلم رطباً خلساً وزبيباً وتيناً من الشام فوضعت بين يديه على نطع فقال‏:‏ اللهم أدخل علي أحب أهل بيتي إليك‏!‏ فدخل العباس فقال رسول الله صلى الله عليه‏:‏ ههنا يا عم‏!‏ وأقعده معه ثم قال‏:‏ قد جاء الله بأحب أهلي إليه دونك فاطعم من هذا الطعام ‏"‏‏.‏

قال هشام وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن الكعب بن مالك عن أبيه قال‏:‏ بينا أنا ذات يوم جالس عند النبي صلى الله عليه إذ بالعباس فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ عجباً لقريش انتهى إلى الشبهة منهم يتحدثون فإذا نظروا إلي أرموا فلم ينطقوا وعرفت الكراهة في وجوههم فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ والذي بعثني بالحق نبياً‏!‏ لا يستمكل رجل منهم الإيمان حتى يعرف فضلك يا عمي ‏"‏‏.‏

قال هشام‏:‏ حدثني أبي عن أبي صالح عن جعدة بن هبيرة عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ اجتمع نفر من المهاجرين أنا أحدهم حين ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول اله اعهد إلينا عهداً نأخذ به بعدك‏!‏ قال‏:‏ أنا مخلف فيكم عمي وصنو أبي فما أنتم صانعون قال سعد‏:‏ فوالله ما ألقى في روعنا الذي كان‏.‏

ومن فضل العباس أنه لم يحل لأحد من الحاج المبيت بمكة ليالي منى إلا العباس وحده‏.‏

قال هشام وحدثني أبي عن الصلت بن عبد الله عن المغيرة بن نوفل بن الحارث قال‏:‏ ‏"‏ مررت بجابر بن عبد الله الأنصاري وعنده جماعة من الناس فسلمت عليه فقال‏:‏ من الرجل فقلت‏:‏ المغيرة بن نوفل الهاشمي فقال‏:‏ بأبي أنتم وأمي يا بني هاشم‏!‏ كيف تفلح هذه الأمة أو ترجو شفاعة نبيها وقد ترك فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه فضيعوه واستأثروا عليه‏.‏

قال هشام عن أبيه‏:‏ لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع إليه نساؤه وأهل بيته وعمه العباس فقال النساء‏:‏ به ذات الجنب فهلم فلنلده‏!‏ فلما أفاق قال‏:‏ أترون أن بي ذات الجنب أنا أكرم على الله من أن يعذبني بها لا جرم لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي العباس‏!‏ فجعل يلد بعضهم بعضاً‏.‏

هشام قال أخبرني أبي عن عكرمة مولى عباس قال‏:‏ قال العباس لرسول الله صلى الله عليه‏:‏ بأبي أنت وأمي‏!‏ ما لنا إذا رآنا رجال قريش وهم في حديث قطعوه وأخذوا في غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ من حفظني فيكم حفظه الله‏.‏

هشام قال حدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ مررت بأبي أجول على قوم من بني أمية فقالوا‏:‏ أنه ليتبختر في مشيه تبختر رجل ما يشك أنه مغفور له ولعل ما ينفعه قرابته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ما يزال الرجل من قريش يسعمني ما أكره - وأخبره بالكلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيرجو شفاعتي من أسلم من الترك والديلم ولا يرجوها عمي أما عملوا أنه من آذاني ومن أذاك فقد آذاني عذبه الله عذاباً شديداً ثم قال‏:‏ إنا لم نزل يا عم نحن وهذا الحي من عبد شمس يجمعنا نسب واحد حتى فرق بيننا وبينهم عبد المطلب فكنا أمحضهم أنساباً وأعظمهم أخطاراً‏.‏

وذكر الكلبي أنه لما دفن عبد الله بن العباس سمعوا قائلاً يقرأ‏:‏ ‏"‏ يا أيتها النفس المطمئنة ‏"‏ الآية إلى آخر السورة‏.‏

الكلبي قال حدثني عوانة عمن أخبره أن علي بن أبي طالب عليه السلام سئل عن بني هاشم وبني أمية فقال‏:‏ بنو هاشم أصبح وأفصح وأسمح وبنو أمية أمكر وأفجر‏.‏

أبو العباس الحميري عن أسباط بن محمد عن هشام بن سعد المديني عن عبد الله بن العباس فيه ماء كان للعباس ميزاب على طريق عمر بن الخطاب فلبس عمر ثيابه يوم جمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما وافى عمر الميزاب صب فيه ماء فأصاب ثوب عمر فأمر بقلع الميزاب فأتاه العباس فقال له‏:‏ أقلعت ميزابي ولم يكن جديراً بذلك فوالله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله فيه‏!‏ فقال عمر للعباس‏:‏ عزمت عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه موضعه‏!‏ ففعل ذلك العباس‏.‏

 حديث الإيلاف

حدثنا أبو بكر الحلواني قال حدثنا أب سعيد السكري قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن حبيب عن ابن الكلبي قال‏:‏‏:‏ أن من حديث الإيلاف أن قريشاً كانت تجاراً وكانت تجاراتهم لا تعدو مكة إنما يتقدم عليهم الأعاجم بالسلع فيشترون منهم ثم يتبايعونه بينهم ويبيعون من حولهم من العرب فكانت تجارتهم كذلك حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقيصر واسم هاشم يومئذ عمرو فكان يذبح كل يوم شاة فيصنع جفنة ثريد ويدعو من حوله فيأكلون وكان هاشم فيما زعموا أحسن الناس عصباً وأجمله فذكر لقيصر وقيل‏:‏ ها هنا رجل من قريش يهشم الخبز ثم يصب عليه المرق ويفرغ عليه اللحم وإنما كانت الأعاجم تضع المرق في الصحاف ثم تأتدم بالخبز فلذلك سمي عمرو هاشماً وبلغ ذلك قيصر فدعا به فلما رآه وكلمه أعجب به وكان يرسل إليه فيدخل عليه فلما رأى مكانه منه قال له هاشم‏:‏ أيها الملك‏!‏ إن لي قوماً وهم تجار العرب فإن رأيت أن تكتب لهم كتاباً تؤمنهم وتؤمن تجارتهم فيقدموا عليك بما يستطرف من أدم الحجاز وثيابه فيكونوا يبيعونه عندكم فهو أرخص عليكم‏.‏

فكتب له كتاباً بأمان من أتى منهم فأقبل هاشم بذلك الكتاب فجعل كلما مر بحي من العرب بطريق الشام اخذ من أشرافهم إيلافاً والإيلاف أن يأمنوا عندهم في أرضهم بغير حلف وإنما هو أمان الناس وعلى أن قريشاً تحمل لهم بضائع فيكفونهم حملانها ويردون إليهم رأس مالهم وربحهم فأخذ هاشم الإيلاف ممن بينه وبين الشام حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء أتوا به فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج هاشم يجوزهم ويوفيهم إيلافهم الذي أخذ لهم من العرب فلم يبرح يوفيهم ذلك ويجمع بينهم وبين اشراف العرب حتى ورد بهم الشام وأحلهم قراها فمات في ذلك السفر بغزة من الشام فقال الحارث بن حنش - من بني سليم وهو أخو هاشم وعبد شمس والمطلب بني عبد مناف من أمهم أمهم جميعاً عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم‏:‏ البسيط إن أخي هاشماً ليس أخا واحد الله ما هاشم بناقص كاسد والخير في ثوبه وحفرة اللاحد الآخذ الإلف والوافد للقاعد وقال مطرود الخزاعي‏:‏ الكامل مات الندى بالشام لما أن ثوى أودى بغزة هاشم لا يبعد لا يبعدن رب الفناء نعوده عود السقيم يجود بين العود فجفانه رذم لمن ينتابه والنصر منه باللسان وباليد فلما مات هاشم خرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن فأخذ من ملوكهم عهدا لمن تجر قبلهم من قريش ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى أتى مكة على مثل ما كان هاشم أخذ وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف وكان يسمى الفيض وهلك المطلب بردمان من اليمن وهو راجع من اليمن وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة فأخذ منه كتاباً وعهداً لمن تجر قبله من قريش ثم أخذ الإيلاف ممن بينه وبني العرب حتى بلغ مكة وهلك عبد شمس بمكة فقبر بالحجون وكان أكبر من هاشم خرج نوفل بن عبد مناف وكان أصغر ولد عبد مناف وكان لأم وحده وأمه واقدة بنت أبي عدى من بني هوازن بن منصور بن عكرمة بن خفصة بن قيس ابن عيلان فخرج إلى العراق فأخذ عهداً من كسرى لتجار قريش ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب حتى قدم مكة ثم رجع إلى العراق فمات بسلمان من أرض العراق‏.‏

وكان بنو عبد مناف هؤلاء أول من رفع الله به قريشاً لم تر العرب مثلهم قط أسمح ولا أحلم ولا أعقل ولا أجمل إنما كانوا نجوماً من النجوم فقال مطرود الخزعي يرثيهم وكان يتبعهم ويكون في كنفهم واسم عبد مناف المغيرة‏:‏ السريع إن المغيرات وأبناءهم لخير أحياء وأموات أربعة كلهم سيد أبناء سادات لسادات أخلصهم عبد مناف فهم من لوم من لام بمنجات قبر بسلمان وقبر برد - مان وقبر عند غزات هيجت لي أحزان ما قد مضى لما تذكرت المنيات لما تذكرت منافاً بني عبد مناف بت حاجاتي ومر مطرود برجل كان مجاوراً في بني سهم هو وبنات له وامرأته في سنة شديدة فحولوه وضاقوا به ذرعا وأمروه أن ينتقل عنهم فخرج يحمل متاعه هو وامرأته وولده لا يؤذيه أحد فقال مطرود‏:‏ الكامل يا أيها الضيف المحول رحله هلا حللت بآل عبد مناف هبلتك أمك لو حللت إليهم ضمنوك من جوع ومن إقراف الآخذون العهد في آفاقها والراحلون برحلة الإيلاف ويقاتلون الريح كل شتوة حتى تغيب الشمس في الرجاف لم تر عيني مثلهم وهم الألى كسبوا فعال التلد والأطراف ويقول مطرود يوماً بعد ذلك بعد ما مات بنو عبد مناف وهو خارج فتلقاه عبد المطلب ومطرود على بعير أعجف ورحل خلق بهيئة سوء فآواه إلى رحله وكساه كسوة حسنة وأعطاه راحلة فارهة ورحلاً فاخراً فقال مطرود‏:‏ الكامل يا شيبة الحمد الذي تثنى له أيامه من خير ذخر الذاخر آوى فأحسن ثم متع رجلتي بنجيبة سرح ورحل فاخر والله لا أنساكم وفعالكم حتى أغيب في سفاة القابر فلأحبونك ما حبوت أباكم من مدحة فلج وقول سائر البدر شيبة أو هلال طالع وقف الحجيج له بواد غائر ومطرود يقول أيضاً‏:‏ الرمل لا يلومن منافاً لائم منهم الفيض ومنهم هاشم وأخي الأبيض منهم نوفل سبط الكفين سيف صارم ميت الحرم عظيم ذكره عبد شمس حين عض الآزم ويروى‏:‏ عبد شمس سوم من لا سائم قال‏:‏ وسألت ابن الأعرابي عن سوم من لا سائم فقال‏:‏ لا أعرفه‏.‏

 قصة زهرة وأمية

وكان أول فرقة دخلت بين قريش بن عبد شمس أن أمية بن عبد شمس كان رجلاً حلواً جميلاً وكان يمر بوهب بن عبد مناف بن زهرة وعند وهب يومئذ امرأتان إحداهما ضعيفة بنت هاشم بن عبد مناف وهي أم عبد يغوث وعبيد يغوث ابني وهب بن عبد مناف وعنده برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي هي أم آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جعل يمر به فيكثر وجد من ذلك في نفسه وعاد فقال له‏:‏ يا ابن عم‏!‏ مرورك علي يؤذيني فاتخذ غير طريقي طريقاً فقال‏:‏ لا والله‏!‏ لا أمر إلا حيث أهوى وإن وهب بن عبد مناف جلس له بالسيف فضرب أليته وكان أمية عظيم الألية فقدها فانصرف وغضبت بنو عبد مناف فقالوا لبني زهرة‏:‏ لنخرجنكم من مكة ارتحلوا‏!‏ فقامت بنو زهرة ترتحل ليلاً فسمع الصوت قيس بن عدي السهمي وهو برأس الجبل في ليلة حارة شديدة الحر ومعه نفر من قومه وبنو زهرة أخواله وأم عدي بن سعد بن سهم بن قيس بن عدي تماضر بنت زهرة فلما سمع قيس بن عدي الرحيل والصوت قال‏:‏ ما هذا قيل‏:‏ زهرة أخرجتها بنو عبد مناف فقام فصاح‏:‏ أصح ليل‏!‏ ألا إن الظاعن مقيم‏!‏ وعرفت بنو زهرة صوته فنزلوا فغدا ومعه ابنا هصيص سهم وجمح فلما رأت ذلك بنو عبد مناف قالوا‏:‏ والله لا يدخل بيننا وبين إخواتنا أحد‏!‏ فتركوهم ولم يحركوا منهم أحداً فقال وهب بن عبد مناف بن زهرة‏:‏ البسيط مهلا أمي فإن البغي مهلكة لا تجشمنك يوم شره نكر تبدو كواكبه والشمس طالعة يصب في الكأس منه الصاب والمقر أنا ابن عبد مناف غير كاتمة والفحل للفحل موسوم به أثر أنا ابن عبد مناف غير متهم ثم ابن زهرة لم يوجد له خطر وعمي الحارث الموفي بذمته لابني علاج غداة استنفرت فهر أتتهم قبل قون الشمس مشعلة شهب الفوارس يعشى دونها البصر فانهلت منهم للموت طائفة وفر أولاهم واستدرك الخفر ببطن مكة إذ تحوي سوائمهم بنو جذيمة إن الغنم مبتدر فهذا أول شيء دخل بينهم‏.‏

وهذا أمر المطيبين وذلك أن بني عبد مناف لما رأوا شرفهم وكثرتهم أرادوا أخذ البيت من بني عبد الدار فأرسلوا إلى أبي طلحة وهو عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار أن أرسل إلينا بمفتاح الكعبة‏!‏ فخرج من مكانه حتى أتى بني سهم وأم سهم تماضر بنت زهرة وأم عدي بن سعد بن سهم هند بنت عبد الدار بن قصي فعاذ بهم من بني عبد مناف فقاموا معه في ذلك وقالوا‏:‏ والله لنمنعنه‏!‏ وأصبحت بنو عبد مناف فقاولوا‏:‏ والله لنأخذنها منهم‏!‏ وأصبحت قريش في ذلك فرقاً منهم من يقول‏:‏ عبد مناف أولى بالبيت ومنهم من يقول‏:‏ عبد الدار أولى فلما كثر في ذلك القول عمدت أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم ويقال‏:‏ بل عاتكة أثبت من أم حكيم وهو المجتمع عليه فأخذت جفنة عظيمة فملأتها خلوقاً ثم أقبلت بها تحملها حتى وضعتها في الحجر فقالت‏:‏ من تطيب من هذه الجفنة فهو منا‏!‏ فقامت أسد فتطيبت وقامت الحارث بن فهر فتطيبت وتطيبت زهرة بن كلاب وتيم بن مرة فهذه خمس قبائل يسمون المطلبين‏:‏ عبد مناف وأسد بن عبد العزي وزهرة والحارث بن فهر وتيم بن مرة وتعمد بنو سهم فنحر إحزراً ثم غمسوا أيديهم في دمها وقالوا‏:‏ من غمس يده فهو منا فغمست جمع وسهم وعبد الدار ومحزوم وعدي بن كعب ثم دخلوا البيت وتحالفوا بالله أن لا يسلم أحد منا أحداً وخلطوا نعالهم بفناء الكعبة فسموا الأحلاف وهم خمس قبائل‏:‏ عبد الدار وسهم وجمح ومخزوم وعدي بن كعب فلخلطهم نعالهم وتحالفهم في البيت يقول عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم حين خرج عثمان بن طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار وخالد بن الوليد بن المغيرة مهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشد عثمان بن طلحة‏:‏ الطويل‏.‏

أناشد عثمان بن طلحة حلفنا وملقى نعال القوم عند المقبل وما عقد الآباء من كل حلفة وما خالد من مثلها بمحلل وقال أبو طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار‏:‏ الوافر أبى لي أن عز بني هصيص أقام وأنني لهم حليف وإنهم إذا عمدوا لأمر ورائي لا ألف ولا ضعيف وقالت الأحلاف واجتمعت‏:‏ من يكفينا بني عبد مناف فقالت بنو سهم‏:‏ نحن نكفيهم‏!‏ إن قاتلوا قاتلناهم وإن وفدوا وفدنا وإن فعلوا فعلنا فلذلك يقول ابن الزبعري وهو يفتخر‏:‏ الطويل أنا بان الألى جازوا منافا بعزها وجار مناف في العباد قليل لقاء لقاء إن لقوا ووفادة وفعلاً بفعل والكفيل كفيل وقالت جمح‏:‏ نحن لزهرة وقالت عبد الدار‏:‏ نحن لأسد وقالت مخزوم‏:‏ نحن لتيم وقالت عدي‏:‏ نحن للحارث بن فهر فكاد الناس يقتتلون وهم بعضهم ببعض ثم تناهت قريش بأحلامها فكفوا‏.‏

وسكتوا فهذا أمر المطيبين والأحلاف‏.‏

 ذكر حلف الفضول

وكان من شأن حلف الفضول أنه كان حلفاً لم يسمع الناس بحلف قط كان أكرم منه ولا أفضل منه وبدؤه أن رجلاً من بني زبيد جاء بتجارة له مكة فاشتراها منه العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم فمطله بحقه وأكثر الزبيدي الاختلاف إليه فلم يعطه شيئاً فتمهل الزبيدي حتى إذا جلست قريش مجالسها وقامت أسواقها قام على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته‏:‏ البسيط‏.‏

يا آل فهر لمظلوم بضـاعته ** ببطن مكة نائي الأهل والنفر

ومحرم شعث لم يقض عمرته ** يا آل فهر وبين الحجر

والحجر هل مخفر من بني سهم بخفرته أم ذاهب في ضلال مال معتمر إن الحرام لمن تمت حرامته ولا حرام لثوب الفاجر الغدر ثم نزل وأعظمت قريش ما قال وما فعل ثم خشوا العقوبة وتكلمت في ذلك المجالس ثم إن بني هاشم وبني المطلب وبني زهرة وبني تيم اجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً وتحالفوا بينهم أن لا يظلم بمكة أحد إلا كنا جميعاً مع المظلوم على الظالم حتى نأخذ له مظلمته ممن ظلمه شريف أو وضيع منا أو من غيرنا ثم خرجوا‏.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن حضر ذلك الحلف ودخل فيه قبل أن يوحي إليه بخمس سنين فكان يقول وهو بالمدينة‏:‏ لقد حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً من حلف الفضول ما أحب أني نقضته وإن لي حمر النعم ولو دعيت إليه اليوم لأجبت‏.‏

وإنما سمي حلف الفضول لأنه حلف خرج من حلف المطيبين والأحلاف فكان فضلاً بينهما عليهما وقدت حكي أنه سمي حلف الفضول لأن قريشاً لما سمعت بما تحالفوا عليه قالوا‏:‏ هذه والله الفضول‏!‏ وخرجوا من مكانهم حتى تحالفوا فانطلقوا إلى العاص بن وائل فقالوا‏:‏ والله لانفارقك حتى تؤدي إليه حقه‏!‏ فأعطى الرجل حقه فمكثوا كذلك لا يظلم أحد أحداً بمكة إلا أخذوا له‏.‏

وكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول‏:‏ لو أن رجلاً خرج من قومه لكنت أخرج من عبد شمس حتى أدخل في حلف الفضول وليست عبد شمس في حلف الفضول‏.‏

وقدم رجل من ثمالة فباع سلعة له من أبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح فظلمه وفجر به وكان سيئ المخالطة ظلوماً فأتى إلى أهل حلف الفضول فأخبرهم فقالوا له‏:‏ اذهب إليه فأخبره أنك فد أتيتنا‏!‏ فإن أعطاك حقك وإلا فارجع إلينا‏!‏ فاتاه فقال له‏:‏ إني قد أتيت حلف الفضول فأمروني أن أرجع إليك فأخبرك أني قد أتيتهم وقد رجعت إليك فما تقول فأخرج له أبي حقه فأعطاه إياه فقال في ذلك الثمالي وهو لميس بن سعد البارقي‏:‏ الطويل أيفجر بي ببطن مكة ظالماً أبي ولا قومي لدي ولا صحبي وناديت قومي بارقاً لتجيبني وكم دون قومي من فياف ومن سهب ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي بني جمح والحق يؤخذ بالغصب وتقدم إلى مكة رجل تاجر من خثعم معه ابنة له يقال لها‏:‏ القتول فعلقها نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب عليها أباها فقيل لأبيها‏:‏ عليك بحلف الفضول‏!‏ فأتاهم فشكا ذلك إليهم فأتوا نبيه بن الحجاج فقالوا‏:‏ أخرج ابنة هذا الرجل‏!‏ وهو يومئذ منتبذ بناحية مكة وهي معه فقال‏:‏ يا قومي متعوني بها الليلة‏!‏ فقالوا‏:‏ لا والله ولا ساعة‏!‏ فأخرجها وأعطوها أباها وركب الخثعمي معهم فلذلك يقول نبيه‏:‏ الخفيف راح صحبي ولم أحي القتولا لم أودعهم وداعاً جميلاً لا تخالي أني عشية راح ال - ركب هنتم علي أن لا أقولا وخشيت الفضول حين أتوني قد أراني ولا أخاف الفضولا أنني والذي تحج له شم - ط أياد وهللوا تهليلاً لبراء مني قتيل إلى الناس و وهل يبتغون إلا القتولا جل أربي إلا إن الحديث فلا أن - فك أربي الحديث والتقبيلا أتلوى بها كما تتلوى حية الماء بالاناء طويلاً ومبيت بذي المجاز ثلاثاً ومنى كان حجنا تحليلاً ثم عدوا حذاء نخلة لا يد - رك منهم أدنى رعيل رعيلا غير هجن ولا لئام ولن تعدم منهم مبرزاً بهلولا ولها بقول أيضاً نبيه بن الحجاج‏:‏ الكامل حي الدريرة إذ نأت منا على عدوائها لا بالفراق تنيلنا شيئاً ولا بلقائها أخذت بشاشة قلبه ونأت بمكنوناتها حلت تهامة حلة من بيتها ووطائها رفعوا المظلة فوقها واستعذبوا من مائها لولا الفضول وأنه لا أمن من عدوائها لدنوت من أبياتها ولطفت حول خبائها ولجئتها أمشي بلا هاد إلى ظلمائها فشربت فضلة ريقها ولبدت في أحشائها وكان نبيه بن الحجاج من فرسان قريش وكان مقلاً وكانت عنده امرأتان من قريش إحداهما أم عمرو بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية والأخرى بنت مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الطلاق فلما رجع إليهما قالتا له‏:‏ إنا والله قد صبرنا لك حتى طال الأمر بنا واشتدت المعيشة عليك‏!‏ فنسألك أن تفارقنا فقال في ذلك‏:‏ الخفيف تلك عرساي تنطقان بهجر وتقولان قول زور وهتر تسألان الطلاق أن رأتاني قل مالي قد جئتماني بنكر فعسى أن يكثر المال عندي ويخلى من المغارم ظهري ونجر الذيول في نعمة زول وتقولان ضع عصاك لدهر وترى أعبد لنا وأواق ومناصيف من ولائد عشر ويكأن من يكن له نشب يحب - بب ومن يفتقر يعض عيش ضر ويجنب سر النجي ولكن - ن أخا المال محضر كل سر ونكح بعد ذلك بيسير ابنة قمطة الرومي وكان تاجراً بمكة عظيم المال فأعطاه قمطة على ذلك قوسرة مملوءة مالاً من ورق فتجر وكثر ماله وعظم بمكة شأنه حتى قتل يوم بدر كافراً‏.‏

قال أبو عبيدة‏:‏ إن صاحب هذه القصة كان نبيه بن الحجاج من فتيان قريش وهذه القصيدة التي مع القصة لعمرو بن نفيل وكان عمرو بن نفيل مقتياً والمقتي الذي يخلف على امرأة أبيه بعده وهو الضيزن‏.‏

وكان من حديث الغزال أن مقيس بن عبد قيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم كان بيته مألفاً لشباب قريش ينفقون عنده ويشربون منهم أبو لهب والحكم بن أبي العاص والحارث بن عامر بن نوفل والفاكه بن المغيرة ومليح بن الحارث بن السباق بن عبد الدار وأبو إهاب بن عزيز بن قيس بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم وقيس بن سويد وكان قيس أخا عامر بن نوفل بن عبد مناف لأمه وأمهما كهيفة من بني جندل بن أبير بن نهشل وكن حليفاً لهم وأبو مسافع الأشعري حليف بني مخزوم وديك ودييك من خزاعة يخدمانهم واجتمعوا في بيت مقيس وله قينتان يقال لهما أسماء وعثمة فتعنت أسماء وقد نفذ شرابهم بشعر رجل من بلي‏:‏ الطويل أبوهة كري الكأس بين صاحبتي فإن نداماي لديك عطاش فإن يك يوم لم يتم نعيمه وزال ضحاه فالدموع رشاش فيا رب يوم قد شهدت وليله لها نشوات جمة ومعاش خلوت بها قد مات نحس نجومها نداماي فيها عامر وخداش قال أبو المنذر‏:‏ عامر وخداش ابنا زهير بن جناب الكلبي‏:‏ الطويل إذا غلبت لبيهما الخمر وانتشت مفاصل لذات معاً ومشاش وجدتهما لم تظهر الخمر فيهما إذا قيل أحلام الرجال فراش وقد كان قال هلم‏:‏ ديك ودييك إن عيرا قد أقبلت من الشام تحمل خمراً فأناخت بالأبطح فقال أبو لهب‏:‏ ويلكهم أما عندكم نفقة قالوا‏:‏ لا والله‏!‏ قال‏:‏ فعليكم بغزال الكعبة‏!‏ فإنما هو غزال أبى فقاموا فانطلقوا وهم يهابون وقد أصابتهم ليلة باردة ذات ظلمة ومطر حتى انتهوا إلى الكعبة وليس حولها أحد فحمل أبو مسافع وأبو لهب الحارث بن عامر على ظهريهما حتى ألقياه على الكعبة فضرب الغزال فوقع فتناوله أبو لهب ثم أقبلوا به فقال أبو لهب‏:‏ قد علمتم أن الغزال غزال أبي ولي ربعه فأتوا منزل ديك ودييك فكسروه فأخذوا الذهب وعينيه وكانتا من ياقوت وطرحوا ظرفه وكان على خشب في منزل شيخ من بني عامر بن لؤي فأخذ أبو لهب العنق والرأس والقرنين ودفع القرطين إليهم وقال‏:‏ هذان لأسماء وعثمة وانطلق فلم يقربهم وذهب القوم فاشتروا كل خمر كانت بالأبطح ثم أقبلوا به إلى أصحابهم فشربوا وقرطوا الشنف والقرط القينتين فمكثت قريش أياماً ثم افتقدوا الغزال فتكلموا فيه وأعظموه وكان أشدهم فيه كلاماً وأجدهم عبد الله بن جدعان وتكلمت قريش فلم يبلغ أحد مبالغته وكان يقوم فيقول‏:‏ أشهد أنه لم يجترئ عليكم غيركم ولم يسرق الغزال غيركم وأيم الله لئن لم ينه حلماؤكم سفهاءكم لتنزلن بكم النقمة‏!‏ فلما أكثر قال له حفص بن المغيرة‏:‏ قد أكثرت في أمر الغزال ولست أولى قريش به إنما هو غزال عبد المطلب وهذا الزبير بن عبد المطلب وأبو طالب لا يتكلمان وما أبو لهب عندي بخلي منه فأكفف‏!‏ فغضب الزبير وأبو طالب فقالا‏:‏ لا تزال تناضل من دونه كأنك تعرف صاحبه وأيم الله لئن ثقفناه لنقطهن يده‏!‏ فمكثوا يشربون شهراً أو أكثر ثم إن العباس بن عبد المطلب مر وهو غلام شاب آخر النهار في حاجة به بعد ذلك بشهر بدور بني سهم وقد لغط القوم وثملوا وهم يرفعون أصواتهم فأصغى لهم فسمع بعضهم يقول للقينتين‏:‏ غنياً بقول أبي مسافع‏:‏ البسيط إن الغزال الذي كنتم وحليته تقنونه لخطوب الدهر والغير طافت به عصبة من شر قومهم أهل العلى والندى والبيت ذي الستر فاستقسموا فيه بالأزلام علكم أن تخبروا بمكان الرأس والأثر إني وإن أجنبياً كنت عن وطني فإن حلفي إلى عمران أو عمر ريحانة القوم لا أبغي بحلفهم حلفاً ولا غيرهم حياً من البشر فغنتا‏.‏

وأقبل العباس فقال‏:‏ يا أبا طالب‏!‏ هل لك في سرقة الغزال قال‏:‏ ومن هم قال‏:‏ هم في بيت مقيس ولم أرهم فتعالوا فاسمعو‏!‏ فأقبل أبو طالب والزبير وابن جدعان ومحزمة بن نوفل والعوام بن خويلد حتى دنوا من الباب فسمعوهم يقولون‏:‏ غنينا‏!‏ فقال أبو مسافع‏:‏ غنيهم بشعري هذا‏:‏ البسيط أمست قيان بني سهم نقسمه لم يغل عند نداماهن في الثمن ظللن يجري فتيق المسك بينهم على مفارقهم فنا على فنن وقهوة قرقف يغلي التجار بها حانية عتقت في الدن مذ زمن فقال أبو طالب هؤلاء لا شك أصحاب الغزال وإن دخلتم الساعة أصبتموهم سكارى لا يعقلون عنكم ولا يفقهون ولا نحب أن ندخل عليهم إلا ومعنا من الأحلاف الذين تحالفوا بعد الحلف الأول من نحتج عليهم بهم ولم تكن عبد شمس ولا نوفل دخلوا في ذلك الحلف فأخروا ذلك إلى غد فلما أصبحوا غدوا إلى بني سهم وقالوا‏:‏ يا بني سهم‏!‏ تعلمون أن غزال ربكم سرقه ندماء مقيس وهم في بيته فادخلوا معنا نفتشه‏!‏ فقاموا معهم فلما دخلوا وجدوا مقيساً غائباً ووجدوا جثة الغزال وهو غمده الذي يكون فيه وكان أديماً عربياً فقالوا‏:‏ ما ينبغي عليه بينة غير هذا وأخذوا قينتيه فلزموهما فإذا إحداهما مقرطة قرط الغزال والأخرى مشنقة بشنقة فقالت‏:‏ أنحن آمنتان ونخبركم الخبر قالوا‏:‏ نعم فأخبرتا فسمتا أبا لهب فاتهموه لأنه غبر عنهم تلك الأيام فلم يأتهم فطلبوه فتغيب فبلغهم أن الغزال كسر في بيت ديك ودييك فهرب ديك وأخذ دييك وضبطوه من خلفه ومد يده ابن جدعان وأنحى عليه الشفرة وكانت كليلة فحز كوعه حتى قطعها فلم يلبث إلا يوماً حتى مات ثم إن المطيبين نافروا الأحلاف وقالوا‏:‏ لا نرضى حتى نقطع أيديهم أو يؤدوا الغزال بعينه أو يؤدى كل رجل منهم مائة ناقة فمكثوا بذلك ثم إن الحارث بن عامر أخرج وقد ألبس حلة لمطعم بن عدي وقد أهل بعمرة وطاف بالبيت لا يكلمه أحد ثم خرج على وجهه فمكث عشر سنين لا يدخل مكة فقال أبو إهاب بن عزيز‏:‏ ما يمنعكم أن تصنعوا بي ما صنعتم بصاحبكم أمن أجل أني حليف تستخفون بي فلم يجيبوا إلى ما أراد فقال يعاتبهم‏:‏ المتقارب لعل بني نوفل أصبحوا تحرقهم إرة المصطلي كان فتى لم يجب قبلنا وأنهاك نوفل أن توكلي أمطعم مجدكم أول فأنتم على الأثر الأول أتطعم تيما وأشياعها هبلت وزدت على المهبل ضبائر من لحمنا بغضة وتقعد حسل ولم توكل حسل بن عامر بن لؤي فلما سمعوا بهذا الشعر غضبوا فألبسوه حلة وأخرجوه مهلاً بعمرة فلقي أبا مسافع فقال‏:‏ يا أبا مسافع‏!‏ أين قولك‏:‏ البسيط إني وإن أجنبياً كنت عن وطني فإن حلفي إلى عمران أو عمر ما أرى عمران وعمر صنعا بك شيئاً وأيم الله أن لو كان حلفك إلى هذا يعني مطعماً أو نوفلاً لأمن روعك برز وجهك قال‏:‏ فما مدحته حين آمنك قال‏:‏ بلى قد قلت وقال أبو إهاب‏:‏ المتقارب أبلغ قصياً إذا جئتها فأي فتى ولدت نوفل إذا شرب الخمر أغلى بها وإن جهدت لومه العذل دعاه إلى الشنف شنف الغزا - ل حب لخمصانة عيطل لعثمة حين تراءت له وأسماء عاطلة أجمل فقال ابن جدعان وكان أشد القوم في أمره وكان لا يقوى إلا بأبي طالب والزبير ومخرمة فأتاهم فقال‏:‏ يا هؤلاء‏!‏ سرقة غزالكم آمنون وأنتم جلوس فقام أبو طالب قياماً شديداً حتى غيب الرجلان وخافوا عليهم القتل فقال أبو إهاب‏:‏ البسيط يا للرجال لأحلام مضللة لو كان ينفعها حزم وتجريب دار ابن جدعان مأوى كل باغية فكيف يجمع فيها البر والحوب ما لي أرى أسداً تغلي صدورهم كأنما وهنت منها الظنانبيب وبيت فضل لعبد الدار دونكم وأنتم نفر سود جعابيب الجعبوب الدني النذل‏.‏

وإنما عرض بقيان ابن جدعان فقامت بنو أمية فأعانوا الأحلاف حتى كادوا يقوون فأقبل عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب وسعيد بن العاص وأسيد بن أبي العيص ونفر من شيوخ قريش فحدثوا وذكروا الغزال وحث بعضهم بعضاً على أن ينصروا الأحلاف فقال أبو أحيحة‏:‏ أطيعوني ولا تعرضوا إلى أمر هذا الغزال فإن عندي منه علماً قالوا‏:‏ ما علمك قال‏:‏ حدثني أبي عن أبيه أن قبيلتين من العرب نزلوا مكة فأهلكوا في شأن ظبي قتله رجل منهم فاستؤصل أحرارهم ورقيقهم قالوا‏:‏ ما سمعنا بهذا قال‏:‏ بلى وعندي به شعر قاله عبد شمس قالوا‏:‏ فأنشدهم‏:‏ الرمل يا رجلات قصي بلد من يرد منه ملذات الظلم يقرع السن وشيكاً ندماً حين لا ينفع عذر من ندم طهروا الثواب لا تلتحفوا دون دين الله منها بنقم ثم قوموا عصباً في شأنه بوقار البر في الشهر الأصم هل سمعتم ببقايا عرب عطبوا فيه وحي من عجم هلكوا في ظبية يتبعها شادن أحوى له طرف أحم عاقه عنها فما يتبعها حيث آوته إلى جنب الحرم فرماه بظهار ريشه فاشتوى منه فأطعم وقسم قالوا له‏:‏ كيف كان هلاكهم قال‏:‏ أقبلت حية مثل الجبل فجعلت تنفخ عليهم فتلقى من جوفها أمثال الرماح من نار فجعلوا يحترقون حتى هلكوا جميعاً قالوا‏:‏ أنى يكون هذا قال‏:‏ أما سمعتم بقول عبد شمس‏:‏ الرمل فأتاه حية من خلفه أحجن النابين وثاب خضم فرماه بشهاب ثاقب مثل ما أبصرت بالليل الضرم قالوا‏:‏ فوالله ما ندخل في شيء من شأنه‏!‏ فعند ذلك وهن أمر الأحلاف حتى صالحوهم صلحاً على خمسين خمسين ناقة فدفعت إلى أبي طالب والزبير فرفدوا بها الكعبة والحجاج ومن لم يعط خمسين ناقة لم يزل خائفاً حتى بعث الله النبي صلى الله عليه وسلمن فلما كان أيام بدر أقبل أبو مسافع وأصحابه الذين هربوا فقالوا‏:‏ يا معشر قريش‏!‏ لم تنفوننا وتطردوننا ما لنا عندكم إن نقاتل محمداً وأصحابه فإن قتلنا فهو ما تريدون وإن بقينا فهو عوض مما صنعنا فأقبلوا فشهدوا بدراً فقتل أبو مسافع والحارث بن عامر وأفلت أبو إهاب وقد كان الحارث بن عامر يجالس النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج ويعجبه حديثه فقالت قريش‏:‏ قد صبا فقتل يوم بدر كافراً وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا تقتلوه دعوه لأيتام بني نوفل‏!‏ فقتله خبيب بن عدي الأنصاري فقتل به بعد وصلب بالتنعيم فذلك قول حسان بن يا حار قد كنت لولا ما رميت به لله درك في عز وفي حسب جللت قومك مخزاة ومنقصة ما إن يجللها حي من العرب يا سالب البيت ذي الأركان حليته أين الغزال فلن يخفى لمستلب وطلبت قريش الحكم بن أبي العاص اولاً فمنعته بنو أمية فبلغ أبا لهب أن قريشاً تأتيه فتوارى وكان له عشر خالات من خزاعة قد ولدن فيهم فأكثرن فبسط بسطة ونادى فيهم فأقبل إليهم من بني خالاته جمع كثير فلم يقربه أحد قالوا‏:‏ دعوه لإخوته‏!‏ فقال شيبان بن جابر السلمي حين أراد أن يخالف بني هاشم ويذكر أمر أبي نهب‏:‏ الطويل أحالفكم حلفاً شديداً عقوده كحلف بني عمرو أباك ابن هاشم على النصر ما دامت بنجد وثيمة وما سجعت قمرية بالكراتم هم منعوا الشيخ المنافي بعد ما رأى حمة الإزميل فوق البراجم الإزميل الشفرة والوثيمة الحجر ووجدوا ظرف الغزال في منزل العامري الشيخ الأعمى فقال‏:‏ لا علم لي بما صنعوا أنا أعمى فقتلوه‏.‏

كان من حديث الفيل أن نفراً من كنانة خرجوا قبل اليمن فلما دخلوا صنعاء إذا هم ببيت قد بني كبنيان الكعبة بناه أبرهة الأشرم الحبشي وسماه قليس فدخل أولئك النفر ذلك البيت فتغوط بعضهم فيه فارتحلوا فانطلقوا فوجد ذلك الأثر فغضب أبرهة وقال‏:‏ من فعل هذ قالوا له‏:‏ نفر من أهل بيت العرب فحلف بدينه أن لا يتركهم حتى يخرب بلدهم ويهدم بتهم فأرسل فجمع فساق العرب وطخاريرهم وكان اكثر من تبعه خثعم وكانوا لا يحجون البيت ولا يحرمون الحرم واتبعه أيضاً بنو منبه بن كعب بن الحارث بن كعب وكانوا لا يحرمون الحرم ولا يحجون البيت وكان منهم الأسود بن مقصود الذي يقول‏:‏ الجرز يا فرس اعدي بيه إذا سمعت التلبية وكان قبل ذلك يقطع على الحاج والعمار سبيلهم وكان ممن اتبع الأشرم نفيل بن حبيب الخثعمي في بشر كثير من خثعم وقال الأشرم الخبيث‏:‏ إذا قضيت قضائي من تهامة سرت حتى أغير على أهل نجد وصادف ذلك قوله طرفة بن العبد وهو يومئذ بنجران فلما رأى تلك العدة وسمع ما يقول الأشرم إنه يغير على نجد قال أبياتاً فبعث بها إلى قتادة بن مسلمة الحنفي وهي هذه الطويل ألا أبلغا قتادة الخير آية فإن الخذر لا بد منه منجيكا فريقان آت كعبة الله منهم وآخر إن لم تقطع البحر آتيكا وقال كلثوم بن عميس من بني عامر بن عبد مناة بن كنانة وأخذه الأشرم وكبله عنده فقال وهو في الحديد‏:‏ الطويل ألا ليت إن الله أسمع دعوة وأرسل بين الأخشبين منادياً أتتكم جموح الأشرم الفيل فيهم وسود رجال يركبون السعاليا ورجل جسام لا يكت عديدهم يهزون واللات الحراب الصواديا أتوكم أتوكم تبشع الأرض منهم كما سال شؤ بوب فأبشع وادياً وأقبل معهم رجلان من بني سليم وكانا خليعين فلحقا بنجران فأقبلا معهم يقال لأحدهما محمد وللآخر قيس ابنا خزاعي بن حزابة بن مرة بن هلال فدعا الأشرم قيس بن خزاعي فقال‏:‏ امدحني واذكر مسيري فقال‏:‏ الكامل حي المدام وكأسها للاشرم الملك الحلاحل أنبئت أنك قد خرجت فقلت ذكر غير خامل أولاد حبشة حوله متلحفون على المراجل بيض الوجوه وسودها أشعارهم مثل الفلافل قال ابن إسحالق‏:‏ يريد على المنابر وخرج الأشرم حتى نزل منزلاً له من مجران وصادفه يوم عيد لا يأكل فيه إلا الخصي فأمر بالخصي فطبخت وقدمت إلى الناس فتحامتها العرب إلا خثعم فإنها أكلتها وقالت للأشرم‏:‏ أيها الملك‏!‏ إن من معك من مضر أبوا أن يأكلوا من هذه الخصي شيئاً وهم يعيروننا بها لأكلنا إياها فغضب الأشرم وأرسل فأخذ له ناس من مضر فأخذ فيهم قيس بن خزاعي وأخوه وقد كان أمرهم أن يسجدوا للصليب فلم يسجد له من معه من مضر فلما وقفوا بين يديه قال قيس بن هزاعي‏:‏ الطويل المخروم إن تك من عود كريم نصابه فانت أبيت اللعن أكرم من مشى ونحن أبيت اللعن في دين قومنا فلا نعبد الصلب ولا نأكل الخصي فقال الأشرم‏:‏ صدق كل قوم ودينهم خلوا سبيلهم فلذلك يقول عبد الله بن ثور بن عباب بن البكاء بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يعير خثعم‏:‏ الطويل المخروم رحنا وراحت خثعم في شبابها إلى منزل ثان كثير الحواطب وجاؤ لناديهم بشيزىلا عريضة كأن الخصي فيها رؤوس الأرنب وبعث الأشرم محمد بن خزاعي عيناً له في نفر فأشرفوا جبلاً وأرسل الله عليهم صاعقة فهلكوا أجمعون فقال قيس أخوه يرثيه وكان محمد يكنى أبا خزاعي‏:‏ الكامل‏.‏

هلا وقاه الموت أن قميصه زغف مضاعفة كنهي الأبرق أهلي فداؤك آبياً ومسالماً ولد الندى إذ الندى لم يرزق وأقبل الأشرم حتى مر بالأزد فأرسل إليهم خيلاً فهزموا خيله فقال عبد شمس بن مسروح الأزدي‏:‏ الطويل المخروم نحن منعنا الجيش حوزة أرضنا وما كان منا خطبهم بقريب إذا ما رمونا رشق إزب أتيتهم بكل طوال الساعدين نجيب وما فتية حتى فاتت سهامهم وما رجعوا من مالنا بنصيب ثم سار حتى نزول بالطائف وقيل له إن ههنا بيتاً للعرب تعظمه فلما نزل بهم خرج إليه مسعود بن معتب الثقفي وكان منكراً وأهدى له خمراً وزيبباً وأدماً ثم قال‏:‏ أيها الملك‏!‏ إن هذا البيت ليس بالبيت الذي تريده إنما البيت الأعظم الذي تريد هو الذي صنع أهله ما صنعوا أمامك وإنما نحن في مملكتك فامض‏!‏ فإذا فرغت رأيت فينا رأيك فمضى وتركه وسمعت به قريش فخرجوا وتركوا مكة فلم يبق بها أحد يذكر إلا خاف على نفسه إلا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فكانا يطعمان كل يوم وأرسل الأشرم السود بن مقصود في خيل فأخذ إبلاً لقريش بناحية بئر فيها مائتا ناقة لعبد المطلب ثم أرسل رسولاً فقال‏:‏ أنظر من بقي بمكة‏!‏ فأتى فنظر ثم رجع إليه فقال‏:‏ وجدت بها الناس كلهم ولم أجد أحداً قال‏:‏ وجدت رجلاً لم أر مثل طوله وجماله ووجدت رجلاً لم أر مثل قصره والجميل هو عبد المطلب والقصير عمرو بن عائذ قال‏:‏ فاذهب واتني بالطويل‏!‏ فذهب فأتى بعبد المطلب فلما دخل عليه أعجبه وومقه وأمر له بمنبر فجلس عليه وكلمه وسأله فازداد به عجباً ثم قال له‏:‏ سلني ما أحببت‏!‏ قال‏:‏ إنك أخذت إبلاً لي فردها علي‏!‏ قال‏:‏ والله لقد زهدت فيك بعد عجب بك‏!‏ قال عبد المطلب‏:‏ ولم ذاك أيها الملك قال‏:‏ جئت أهدم شرفك وحرمتك فتركت أن تسألني الكف عنها وسألتني مالك قال‏:‏ أما والله لحرمتي أعجب إلي وأعظم عندي من مالي‏!‏ ولكن لحرمتي رب إن شاء أن يمنعها منعهما وإن تركها فهو أعلم وإن هذه الإبل لي خاصة فأنا أخاف عليها فاعمل فيها‏!‏ فأمر بإبله فردت عليه وقام عبد المطلب وقال‏:‏ الرجز يا رب اخز الأسود بن مقصود الآخذ الهجمة ذات التقليد بين حراء فثبير فالبيد اخفر به رب وأنت محمود وقام عبد المطلب بفناء مكة يدعو فقال‏:‏ الكامل يا رب إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم ربي محالك ولبسوا أداتهم وجللوا فيلهم ثم أقلبوا حتى إذا طعنوا في المغمس ليدخلوا في الحرم رجع الفيل فكروه فلما دنا رجع فكروا به وزجروه فبرك فجعلوا يدخلون الحديد في أنفه حتى خرموه ولا يتحرك وذلك يوم جمعة فباتوا ليلة السبت حتى إذا طلعت الشمس سمعوا مثل خوات البرد ثم طلعت عليهم طير أكبر من الجراد جاءت من البحر حتى إذا كانت على رؤوسهم خرق الله عليهم الريح وقذفتهم الطير بحجارة في أرجلها فتركوا أبنيتهم ومتاعهم وخلوا عن الفيل وخرجوا هاربين وجعلت تلك الحجارة لا يقع منها شيء على عضو إلا خرقه حتى ينقطع العظم فمات من مات مكانه وأفلت من أفلت فجعل ذلك الذي أصابهم جدرياً وحصبة فمات أكثر ممن نجا ومات من ذلك القرح الأشرم وابنه النجاشي وكان هو على مقدمته ومات الأسود بن مقصود وقيس بن خزاعي في المعركة وأفلت نفيل بن حبيب وأفلت أخنس الفقيمي فكان من أدلاء الفيل وكان أكرههم لذلك‏.‏

فقال عمرو بن الوحيد بن كلاب‏:‏ الطويل سطا الله بالحبشان والفيل سطوة أرى كل قلب واهياً فهو خائف ويوم ذباب السيف كان نذيره ويوم على جنب المغمس كاسف أميرهم رجل من الطير لم يكن نقافاً لها بين الحجارة واكف كأن شابيب السماء هوية وقد أشعلت بالمجلبين النفانف ندقهم من خلفهم وأمامهم وعارضهم فوج من الريح قاصف يخالسنهم أنفاسهم ونفوسهم ولم ينج إلا التابعون الروادف كأنهم غب العقاب هشيمة من الصيف تذريه الرياح الرفارف وكان شفاء لو ثوى في عقابها نفيل وللآجال آت وصارف فأجابه نفيل بن حبيب الخثعمي فقال‏:‏ البسيط ماذا يريك عقابي لو ظفرت به يا ابن الوحيد من الآيات والعبر قلنا المغمس يوماً ثم ليلته في عالج كثؤاج النيب والبقر حتى رأينا شعاع الشمس تستره طير كرجل جراد طار منتشر يرميننا مقبلات ثم مدبرة بحاصب من سواد الأفق كالمطر وأشعل الحبش لا تلوي على أحد وعارضتنا زخوف الريح عن يسر كبا لآذقاتنا والريح تدبرنا لا نتقي الشر من ريح ولا حجر فزل منا شديد لا طباخ به ومات أكثر ذاك الجيش بالعسر فلو أبصرتنا والجيش يرمى بحسبان رثيت لنا ردينا حمدت الله إذ أبصرت طيرا وسفي حجارة تسفي علينا وأمطرنا بلا ماء ولكن عذاب نقيمة اردفن حينا فكل الناس يسأل عن نفيل كأن علي للحبشان دينا وقال في ذلك قيس بن الأسلت‏:‏ المتقارب و من نعم الله أموالنا وأبناؤنا ولدينا نعم ومن منه يوم فيل الحبو - ش إذ كلما بعثوه رزم محاجنهم تحت أقرابه وقد خرموا أنفه فانشرم فولى سريعاً لأدراجه وقد هزموا جمعه فانهزم